هل تتجسد الكلمة – موسوعة هانيبال للعلوم الإسلامية الروحية

هَل تَتَجَسَّدُ الكَلِمَةُ ؟

 

 

الكلمةُ مِنْ مَقَالِ الإنسَانِ تَتَجسَّدُ وَاقِعاً في الزَّمانِ والمَكانِ، أمَّا مَاذا تَتجسَّدُ فهوَ تَخلِيقٌ مَلائِكيٌّ مِنَ القولِ البَشرِيِّ، وهل مِنْ دَليلٍ في السُّنَّةِ الشَّرِيفةِ كيفَ تَتَخلَّقُ الكلمةُ وتَؤُولُ إلى مَلائِكةٍ ؟

جاءَ في الحَديثِ الشَّريفِ : ” إنَّ اللهَ تعَالى يَخلقُ مِنْ تَسبِيحةِ أحدِكم مَلَاكاً يُسبِّحُ اللهَ تَحتَ العَرشِ، تقولُ أنا تَسبِيحةُ فُلانٍ بنِ فُلانٍ ” .

فأنْ تقولَ سبحَانَ اللهِ لَفظَاً يَتخلَّقُ مِنْ لَفظِكَ مَلاكَاً يُسبِّحُ اللهَ عَزَّ وجَلَّ طائِفاً تحتَ العَرشِ حتَّى يومِ البَعثِ، مُعرِّفاً باسمِكَ بأنَّه مُخلَّقٌ مِنْ قَولِكَ، ولكَ أجرُ هذَا التَّسبِيحِ مَا دَامَ المَلاكُ مُعرِّفاً بِكَ، فهذَا مَثَابٌ عَظيمٌ مِنْ رَبٍّ كريمٍ، وحينَ نَظرَ العَارِفونَ بِمدَارجِ الرُّؤيةِ تحتَ العَرشِ وَجدُوا أنَّ تِلكَ المَلائكةَ المُسبِّحةَ لَها دَويٌّ كَدوِيِّ النَّحلِ، لِكثَافةِ ذَاكَ التَّسبِيحِ وغزَارتِهِ، ومَا هذَا إلَّا غَيضٌ مِنْ فَيضِ الأحاديثِ الشَّريفَةِ الوَاردَةِ في كُتبِ الحَديثِ الشَّريفِ ” التَّرغيبِ والتَّرهيبِ “ ، ” جَامعِ الأصُولِ “ ، ” تَيسِيرِ الوُصولِ “ .. إلخ، التِي تُظهِرُ وتُبيِّنُ حَقيقةَ مَآلِ الكلمةِ في التَّكوينِ والتَّخلِيقِ إلى ملائكةٍ في الوُجودِ والتَّحقِيقِ .

ومَا الحديثُ المذكورُ إلَّا لِلدلالةِ العلميَّةِ كَمَنهجٍ لِتحقِيقِ الغايةِ في الدَّلالةِ الفِكرِيَّةِ والقناعةِ المَنطِقيَّةِ، ونَأتي مِنْ هذَا الحديثِ على ذِكرِ أسرارٍ وتَفصِيلاتٍ أخرَى، عَلَّكَ تَعِي وَلِيِّي في اللهِ تعَالى مَا في هذَا الحديثِ مِنْ جَوهرٍ ومُحتوَى .

أمَّا السِّرُّ الأوَّلُ في هذَا الحديثِ :

أنَّ قوليَ : ” سبحَانَ اللهِ “ يُخلِّقُ اللهُ منه مَلَاكاً مُسبِّحاً إلى يومِ يُبعثُونَ .

وحدثَ أنَّ عَارفاً باللهِ تعَالى طلبَ مِنْ أحدِهم في المسجدِ أنْ يُغيِّرَ مَا حدَّثَ به نفسَه بِهمساتٍ وهَمهَمَاتٍ لَمْ يَسمعْها أحدٌ ولَمْ يَعِيها غيرُه، والسُّؤالُ كيفَ عرفَ ذاكَ العارفُ هَمساتِ ذاكَ الإنسانِ في نفسِ الزَّمانِ والمكانِ حيثُ كانَ .

أُجيبُك وأُفهِّمُك بلغةِ البيانِ هوَ أنَّه قد رَأى الكلماتِ رُؤيةً بَصرِيَّةً قد تَخلَّقت وتَجسَّدَت حَقِيقةً مَاديَّةً تماماً كَمَا رَآها مَلَاكُ الرَّقيبِ عَتِيدِ، فَكتبَها كلمةَ سُوءٍ في صَحيفةِ السَّيئَاتِ، فطلبَ العارفُ منه أنْ يُغيِّرَ المعنَى السَّاكنَ فيه لِتَتبدَّدَ الصُّورُ القبيحةُ المَرسومةُ بتلكَ الكلماتِ، والتِي شهدَها ورآها مِنْ سُوءِ الغَاياتِ .

فذَاك نورُ العَارفِين يَهتدُون به، قالَ تعَالى : { .. نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ .. } التحريم8 ، نورُ الرَّقابةِ مِنَ اسمِ اللهِ الرَّقيبِ، فأيَّ مؤمنٍ لا على التحديدِ أو التقييدِ يُسبِّحُ الخالِقَ بكلماتِ التَّسبِيحِ، يَتخلَّقُ مِنْ كلماتِهِ مَلَائكةٌ إلى يومِ القيامةِ .  

 فَصْلٌ بَل وَصْلٌ ، فِي الذِكْرِ على دَنَسٍ :

لِتُبصِرْ وَلِيِّي في اللهِ تعَالى الفَارقَ بينَ الذَّاكرِ طَاهِراً والذَّاكرِ دَنِسَاً، فقد جاءَ في الحديثِ الشَّريفِ : رَوَى البُخاريُّ ومُسلِمٌ عَنْ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ عَنْ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ : ” مَنْ أكلَ الثُّومَ والبصلَ والكُرَّاثَ، فَلا يَقرَبَنَّ مَسجدِنا؛ فإنَّ المَلائِكةَ تَتأذَّى مِمَّا يَتأذَّى منه بَنو آدمَ ” .

أنْ يكونَ رَجلاً مخموراً ويقولُ : ” سُبحانَ اللهِ “ على مَشهدِ رَاقِصةٍ شِبهِ عاريةٍ، فهذَا ذِكْرٌ على دَنَسٍ والعِياذُ باللهِ، ويَتخلَّقُ المَلَاكُ مَصبُوغاً برائحةِ الخمرِ، ويَبقَى على خِلقَتِه هذِه إلى يومِ القيامةِ، وأقرَبُ صُورةٍ لِتلكَ الحَالِ أنَّ رجلاً قد وُلِدَ وطَبِيعةُ جِلدِه نَتِنةٌ، فأينَمَا حَلَّ تَأذَّى منه مَنْ حولَه، ونَبذُوه وغَادرُوه، فكيفَ هيَ حَالُه وكيف هي حيَاتُه، وكذلكَ الأمرُ لِمَنْ يأكلُ البصلَ والثُّومَ ويَذكرُ بأنفاسِه الكرِيهةِ اللهَ عَزَّ وجَلَّ فهوَ يُخلِّقُ مَلائكةً مُشوَّهةً خَلقِيَّاً – إنْ صَحَّ التَّعبِيرُ- مُلَّوثِينَ بِيئِيَّاً إلى يومِ يُبعثونَ، فلِلعبدِ ثوابُ التَّسبِيحِ وعليه عِقابُ التَّدنِيسِ .

و في رِوايةٍ أُخرَى قالَ عليه الصَّلاةُ و السَّلامُ : ” مَنْ أَكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا “ ، وَفِي رِوَايَةٍ أخرَى : ” فَلا يَقْرَبْنَا فِي مَسَاجِدِنَا “ ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، لأنَّ البصلَ والثُّومَ مِنْ شَجرَتينِ خَبِيثَتَينِ، فَالملائكةُ تَتَأذَّى مِمَّا يَتَأذَّى منه البَشرُ .

و كذَا مِثالُ التَّدخِينِ، فهل تستطيعُ تَحمُّلَ رائحةِ الدُّخانِ الصَّاعدِ مِنْ مِدخَنةِ المَنزِلِ؟ كذَلكَ المُدخِّنُ تُصبِحُ رِئتَاهُ مِدخَنةً فتَخرجُ كلماتُه على رَائِحَتِها، فَالمُعضِلةُ أنَّ تَخلِيقَ هذَا المَلاكِ بالكلمةِ ليسَ بالأمرِ المُؤقتِ، وإنَّمَا يَتخلَّقُ مَلاكٌ مُسبِّحٌ إلى يومِ القيامةِ، فَعَدَمُ حِفظِكَ لِمَسارِي الذِّكرِ لديكَ فهذَا على ملائِكةِ الحَقِّ تَعَدٍّ، فالمَلائكةُ حَضرَةُ طُهرٍ .

أنتَ كَبَشرٍ حينَ تَتَّسِخُ تَغتسِلُ تَطهُرُ، ولكِنْ كيفَ الأمرُ حينَ يكونُ النَّتَنُ هوَ أساسٌ في تَخلِيقِكَ، فهوَ أشبَه بِمَرَضِ الخَلَايا السَّرَطانيَّةِ حينَ تَنتَشِرُ فَتَستهلِكُ البدنَ حتَّى يَفنَى .

فَحِينَ يَأتِيك مُعترِضٌ على العلمِ بأنَّه يقولُ القولَ فَلا يَفعَلُ، فَلا تَقُلْ له لأنَّه يَكذبُ أو يَزنِي أو يَسرِقُ أو يَفسُقُ، فهوَ على دِرايةٍ بمَا يَفعلُ، فكَمَا تُدِينُ تُدَانُ، و بإمكانِكَ أنْ تُراجعَ كُتُبَ عقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجمَاعةِ، وهيَ كَثيرةٌ كَكِتابِ ” البَاجُورِي “ ،  ” جَوهرَةِ التَّوحيدِ “ ، ” اللَّقانِي “ ، ” الصَّاوِي “ .. إلخ ، كيفَ يَحرُمُ ذِكرُ اللهِ على دَنَسٍ .

مِثالٌ آخرُ: رَجُلٌ هَمَّ بالزِّنَى فقالَ : ” بسم الله الرحمن الرحيم “ وفَعَلَ الزِّنَى، يكونُ قد خَلَّقَ مَلَاكاً شَهِدَ في أوَّلِ وجودٍ له فُجُورَ وفُسُوقَ أُناسٍ عُرَاةٍ خَارِجِينَ عَنْ شَرعِ الحقِّ، يَصعَدُ لِلملكوتِ يَشكُو لِلحقِّ مَا شَهِدَ، إنِّي رأيتُ فُلاناً وفُلانةً يَزنِيان، فَيَفضحُهما في المَلكوتِ، واللهُ يريدُ لهُما السَّترَ فَيَفضَحَا نَفسَيهِما، فَمَا ذَنبُ ذاكَ الملاكِ يَحيَا حَياتَه إلى يومِ يُبعَثونَ، وقد احتوَى تِلكَ الصُّورَ الدَّنِسةَ ؟ وهوَ بينَ جُموعِ المَلائكةِ التِي منها تَسبِيحةُ العَارفِ فلانٍ أنواراً مُتلألِئةً طُهرَاً وبَهاءَاً، ومنها تَسبِيحةُ الذَّاكرِ فُلانٍ مُتألِقةً نُوراً وجَمَالاً، إلا ذَاكَ المَلاكَ يُؤدِّي ذِكرَ ذاكَ الرَّجلِ بِمحتوَى صُورةٍ بَشعةٍ دَنِسةٍ إلى يومِ القيامةِ، وهذَا مِنْ أسبابِ قَولِه تعَالى : { كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ .. } الصف3 .

ومِنه نَأتِي على الحَقيقةِ التَّاليةِ: بِمَا أنَّ كُلَّ كَلمةٍ يَتخلَّقُ منها مَلَاكٌ، وكِتابُ القرآنِ هوَ مَصفُوفةٌ حَرفِيَّةٌ كَلَاميَّةٌ، فهذَا يعنِي أنَّ كُلَّ كَلمةٍ في كِتابِ الحَقِّ هيَ شِيفرَةُ تَخلِيقِ مَلَائكةٍ مَحدُدةٍ هي مَلَائكةُ الآيةِ، وفي عَقِيدتِنا عَقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ أنَّ القرآنَ غَيرُ مَخلُوقٍ، ومَنْ يقولُ غيرَ ذلكَ فقَد كَفَرَ، فَكُلُّ كَلمةٍ تَقرَأُها مِنْ كتابِ القرآنِ تَتخلَّقُ منها مَلَائكةٌ تُسبِّحُ اللهَ تحتَ العَرشِ إلى يومِ البَعثِ، مُعرَّفِينَ بذِكرِ الذَّاكرِ لها، وهي أرقَى نَوعاً مِنْ أنواعِ المَلَائكةِ لأنَّها مَلَائكةُ ذِكرِ اللهِ بكلامِ اللهِ، فالذِي لدَيهِ آياتٌ وسُوَرٌ يَكونُ ذُو تَسخِيراتٍ أقوَى وأعلَى لأنَّ مَلَائكةَ الآيةِ تكونُ أقوَى مِنْ مَلَائكةِ أيِّ كَلامٍ آخرَ، فَالمَلَائكةُ التِي تَتخلَّقُ مِنْ ذِكرِكَ لِآياتِ اللهِ الكريمةِ أقوَى مِنْ مَلَائكةِ أذكَارٍ أُخرَى، وهذَا سِرٌّ تَسخِيريٌّ مِنْ أعجَبِ الأسرَارِ التَّسخِيريَّةِ، لِذلكَ نَجِدُ العَارفِينَ باللهِ تعَالى تَتسخَّرُ لهمُ الأكوَانُ بِكلمةٍ.

فَصْلٌ بَل وَصْلٌ، في تَجْسِيْدِ كَلِمَةِ ” اللهُ أكبَرُ “ :

جاءَ في الحَديثِ الحسنِ الذِي لَه مَا يُعَضِّدُه مِنَ الشَّواهِدِ عَنْ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّمَ  قالَ : ” إذَا رَأيتُمُ الحَرِيقَ فَكَبِّرُوا فَإنَّهُ يُطْفِئُه “ ، وفي لَفظٍ فإنَّ التَّكبِيرَ يُطْفِئُه، قالَ السَّخَاوِيُّ رَوَاه الطَّبَرانيُّ عَنْ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، وَرَوَاه البَيهَقيُّ بِلفظِ استَعِينوا على إطفاءِ الحَريقِ بِالتَّكبِيرِ، وَرَوَاه الطَّبرَانيُّ أيضاً عَنْ أبِي هُرَيرَةَ رَفَعَهُ بِلفظِ أطفِئُوا الحَريقَ بالتَّكبِيرِ .

و حَدثَ أنَّه في مَنطِقةِ رُكنِ الدِّينِ في دِمشقَ أنَّ مَنزِلاً التَهَبَ بِنِيرانِ الحريقِ، وضَجَّ النَّاسُ بِمَا رَأَوا مُحتَشِدينَ على قَارعةِ الطَّرِيقِ، عَاجِزينَ عَنْ إخمَادِ الحريقِ وإطفَاءِ النِيرَانِ، وإذْ بِيْ ألمَحُ رَجلاً بَسِيطَ المَلَابسِ وبِيدِه سُبْحَةٌ،  تَمْتَمَ عندَ جِدارِ البِناءِ وهَمهَمَ، فإذا بالنَّارِ تَهمَدُ وتَتَلاشَى، وَ وَصلَتِ المَطافِئُ ورِجَالاتُها والحريقُ قد خَمَدَ، سَألتُه مَاذا فَعلْتَ؟ قالَ ذِكرٌ، سَألتُه أَقُلتَ ” اللهُ أكبرُ “ ؟ قالَ : ” اُسْتُرنَا ” .

وممَّنْ مَلَكوا هذَا السِّرَّ  سَيِّدُنا تَمِيمٌ الدَّاريُّ رضيَ اللهُ عنه، إذْ نَادَوا أميرَ المُؤمِنينَ عمرَ بنَ الخَطابِ، ” يا أميرَ المُؤمِنينَ بَيتُ فلانٍ يَحترِقُ ” ، فَأجَابَهم : ” عليكُم بِتَمِيمٍ الدَّاريِّ “ ، فقَد وَرَدَ أنَّ الصَحَابيَّ الجَليلَ تَميماً الدَّاريَّ رضيَ اللهُ عنه ( كانَ يَكنُسُ النَّارَ كَنسَاً ) ، فسُلطَانُ هذَا الصحابِيِّ على النَّارِ مِنْ بُحُورِ رُؤيَةِ القولِ بِالبَصَرِ والبَصِيرَةِ، رُؤيةٌ مُحقَّقةٌ، فقَولُه : ” اللهُ أكبرُ “ ، يَخلُقُ اللهُ تعَالى منه مَلَكاً، هذَا المَلَكُ له سُلطانٌ على عَالَمِ النِّيرَانِ، فمَنْ يَتَلبَّسُه شَيطانٌ يُعالَجُ بأنْ يُقامَ الآذانُ في أُذُنِه ” اللهُ أكبرُ .. اللهُ أكبرُ .. “ ، لأنَّ هذِه الكَلمةَ يُخلِّقُ اللهُ منها مَلَاكاً تَرتَعِدُ فَرائِصُ النَّارِ منه؛ فَيَهربُ الشَّيطانُ المَخلُوقُ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، إذْ أنَّ إبلِيسَ كَائنٌ نَاريٌّ يَهرُبُ مِنْ سُلطَانِ هذَا المَلَاكِ، و يَستمِرُّ ابتِعَادُه حتَّى لا يَسمَعُ تَرَدداتِ ذلكَ الذِّكرِ .

وهذَا بَيانٌ لِقوةِ هذَا المَلَاكِ الذِي يَخلُقُه اللهُ مِنْ لَفظِ ” اللهُ أكبرُ “ ، وهذَا أيضاً تَفسِيرُ قَولِنا ” اللهُ أكبرُ “ عِندَ ابتِدَاءِ الصَّلاةِ، فَتَتَلَاشَى شَهوَاتُكَ وغَضَبُكَ النَّاريُّ بِقولِكَ اللهُ أكبرُ، و تَنطَفِئُ تِلكَ النَّارُ، فَمَنْ كانَ بِهِ غَضَبٌ وصلَّى ولَمْ تَذهبْ صَلاتُه بِغضبِه؛ فصَلاتُه غَيرُ فَاعلةٍ وغَيرُ مُجدِيةٍ وغَيرُ مُؤثِرةٍ، وهذَا مُؤشِّرٌ على أنَّ صَلاتَه غَيرُ مُتقبَّلةٍ أصلاً مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ .

و إليكَ هذَا السِّرَّ  (( في حَالِ الغَضَبِيَّاتِ )) : ” إذَا كانَ هناكَ مُشاجرَةٌ أو مُشاحَنةٌ كَبِّروا اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، فَيَهمدُ العَالَمُ النَّاريُّ ويَتلاشَى العَجَاجُ الأسوَدُ ” .

العَجَاجُ : هوَ الغُبارُ الذِي تُثِيرُه خُيولُ الحَربِ .

الأسوَدُ : يَعنِي أنَّه في مُنتهَى القَذَارةِ والدَّنَسِ .

ففِي الأعيادِ نُكَبِّرُ، وفي الحُروبِ نُكبِّرُ، ولدَى ذَبحِ الأُضحِيةِ نُكبِّرُ، لَعلَّ كَائناً مِنَ الجِنِّ مُتلَبِّسٌ جَسدَ الشَّاةِ .

و جاءَ الحديثُ المَرفوعُ : ” حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وُهَيْبٍ الْغَزِّيِّ ، قَالَ : نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ الْعَسْقَلَّانِيُّ ، قَالَ : نَا بَقِيَّةُ ، قَالَ : نَا عُمَرُ بْنُ رَاشِدٍ ، قَالَ : نَا أَبُو كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” : زَيِّنُوا أَعْيَادَكُمْ بِالتَّكْبِيرِ “ ، لا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا بِهَذَا الإِسْنَادِ ، تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ .

و سَندرسُ هذَا الحديثَ إنْ شاءَ اللهُ تعَالى في علمِ التَّكبِيرِ، حيثُ أنَّه في الأعيَادِ تَتَفلَّتُ النّاسُ على عَالَمِ البَسطِ وعَالَمِ المُتعَةِ، وتُخالِطُ النِّساءُ الرِّجالَ، فَنُكبِّرُ لِتكونَ السَّعادةُ على نَقاءٍ وطُهرٍ.

ومِنْ أخطرِ مَا نُشاهدُه في هذَا العَصرِ مُطرِبٌ يَلفظُ لَفظَ الجَلالَةِ ” اللهَ “ على أنغَامِ الرَّقصِ والطَّرَبِ المُتَفلِّتِ الذِي يُمكِنُ أنْ نَدعوَه الطَّرَبَ العَارِيَ، والرَّاقِصةُ العَارِيةُ تتَمَايلُ على لَفظةِ الجَلالَةِ ” الله “ ، و هذَا غَيرُ جَائِزٍوالعِياذُ باللهِ .  

مُجتمعُ قَولٍ بِدونِ فِعلٍ يُناسِبُه، هذِه البِيئةُ المُشوَّهةُ، تَقولُونَ مَا لا تَفعَلونَ، { كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } الصف3 ، مُجتمعٌ يقولُ أنَّه يُنزِّه اللهَ ولا يُنزِّهُه، إذْ يَغدُو العُهرُ في هذَا المُجتمعِ رَسمِيَّاً وقَانُونيَّاً على شَاشَاتِ التَّلفَزةِ، فكَيفَ بِرأيِك يكونُ المَدَدُ المَلَكوتيُّ والتَّأييدُ المَلَائِكيُّ لِمُجتمعٍ مِثلِ مُجتمعِنا الحَاليِّ ؟!، وكيفَ يَتحقَّقُ التَّسخِيرُ الكَونِيُّ لِخَلائقَ بَعيدِينَ عَنِ الحَقَائقِ ؟! .

هذَا مِنْ كلمةٍ لا يُلقِي لها بَالاً تَهوِي بِصاحِبِها سَبعِينَ خَرِيفاً في جَهنَّمَ، فكيفَ بِأقوالٍ وأفعَالٍ نُدرِكُ تَماماً أنَّها مُخالِفةٌ لِشرِعِ الحَقِّ وضَوَابطِه!

{ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } البقرة134 .

وأيضاً مِنْ أخطرِ التَّشوُّهاتِ الدِّينيَّةِ التِي طَرَأتْ على مُجتمَعِنا الإسلَاميِّ في هذَا العَصرِ هوَ العَاداتُ الدَّاخِلةُ في يَومِ عِيدِ المُسلِمينَ يَومِ الجُمعةِ مِنْ كُلِّ أُسبُوعٍ، فَأنجَزَت مَملَكةُ الشَّيطانِ إنجَازَاً دَخلَ تَاريخَ الإنسَانِ مِنْ بَابِه العرِيضِ، وهذَا الإنجَازُ عِبَارةٌ عَنْ ” تَقلِيدٍ “ ، ألا وهوَ طعَامُ ” الفُولِ “ بِاللَّهجةِ الشَّامِيَّةِ ” فُولٌ مُدمَّسٌ “ حيثُ يُرافِقُ هذِه الوَجبَةَ عادةً البَصلُ والفِجلُ والثُّومُ، وبَعدَ أنْ يَتنَاولَ العَامةُ هذَا الطَّعامَ الشَّعبِيَّ التَّقلِيديَّ يَمضُونَ إلى بُيوتِ اللهِ لِيَعمُروا المَساجِدَ بِرائِحةِ البَصلِ والثُّومِ والفِجلِ، وحِينَ دَعَا عُلماءُ الدِّينِ الرَّبَّانِيُّونَ عامةَ النَّاسِ لِتَركِ هذَا التَّقلِيدِ الفَاسِدِ، رَفَعَ شَيَاطِينُ الإنسِ عَقِيرَتَهم و اتَّهمُوا الدُّعاةَ بِأنَّهم يُحرِّمونَ مَا أحلَّ اللهُ لِلنَّاسِ مِنَ الطَّيبَاتِ، ويَستَشهِدونَ بِقولِه تعَالى: { .. كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ .. } البقرة57 ، و يَدَّعُون أنَّهم مَاضونَ إلى المَساجِدِ مِنْ يومِ الجُمعةِ مُغتَسِلينَ أطهَاراً، وغَابَ عنهم أنَّ المَلَائكةَ المُخلَّقةَ مِمَّا نَطَقُوا بِأقوَالِهم قَد تَخَلَّقَتْ مُشوَّهةً بِكرِيهِ رَائِحةِ أفوَاهِهم، وذَهبَت عنهم الآيةُ الكريمَةُ: { .. فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } المؤمنون14 .

فَأثبَتَ اللهُ تعَالى لِغيرِه ” بِلغةِ العَقلِ والتَّقيِيدِ “ أنَّه يُوجدُ مَنْ يَستطِيعُ أنْ يُخلِّقَ أفعَالَه وكَائِناتَه ومَخلوقَاتَه، ولَكنَّه سُبحانَه وتعَالى أحسَنُ الخَالِقينَ،لأنَّه سُبحَانه يُخلِّقُ على طُهرٍ كَاملٍ، وأحسَنُ مَا خَلَّقَ اللهُ تعَالى هيَ كَلماتُه التَّامَّةُ ذَواتُ الأنبِياءِ والرُّسلِ الكُمَّلِ والأولِياءِ التَّابِعينَ لَهم .

 


( من كتاب علم رؤية القول بالبصر للمفكر الإسلامي الشيخ الدكتور هانيبال يوسف حرب  ) .


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى