الحضارات الممتزجة – موسوعة هانيبال للعلوم الإسلامية الروحية

الحَضَارَاتُ المُمْتَزَجَـةُ

في الحَضارَةِ الفِرعَونيَّة كانَ الفِرعونُ دَائماً يَعتَنونَ بِه ويَضُخونَ فِيه ثَقَافاتِ الأرضِ كُلِّها في ذلكَ العَصْرِ ، وخُصوصَاً أنَّ الحَضارةَ الفِرعَونيَّـة كانَ لَها عَلاقةٌ وَثيقةٌ جِداً جِداً جِداً بِحضاراتِ الجِـنِّ ، فكانَت حَضارةً مُمتَزجةً ، القِيادَةُ العليَا فيها لِلإنسَان البَشريِّ الذِي هوَ مَرتبةُ الفِرعَونِ ، والوُزرَاءُ فيها في قِيَادتِها لِلرُّموزِ الجِنِّيَّةِ ، هذَا كانَ شيْئاً طَبيعيَّاً في الحَضَاراتِ السَّابقةِ ، إلاَّ أنَّه في الحَضاراتِ الحَاليَّـة الإنسانُ العَقلانيُّ اليَومَ على سَطحِ الأرضِ لأنَّه لَمْ يَعُدْ يَفهَمُ النَّسقَ الرُّوحـيَّ ، فَأصبحَ هُناكَ صُعُوبَـةٌ في اندِمَاجِ الحَضــاراتِ الأرضِيــةِ الرُّوحيِّ مِنها والمَــاديِّ .

بسم الله الرحمن الرحيم { قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى } طـه (84) .

لَاحظُوا كيفَ جُمِعَ لِسيدِنا مُوسى عليه السَّلامُ في مَشهدٍ وَاحدٍ في مُناظَرةٍ وَاحِدةٍ /70000/ سَاحِرٍ ، لَو كُلُّ سَاحرٍ مَعـه جِنِّيٌ أو شَيطانٌ واحدٌ يَتَفاعلُ معَه سَتَرونَ هذِه الاندِماجيَّةِ في الحَضارةِ حَضارةِ الإنسِ والجِنِّ في إدمِـاجٍ واحدٍ ، وكُلُّهـا خَاضِعـةٌ لِلسلطةِ الإنسَانيَّـةِ لِلأسرَارِ الفِرعَونيَّــةِ ، كـانَ هُنـاكَ رُوحٌ وجِسمٌ وبِتَوازٍ .

وحتَّى قَبلَ سَيدِنا مُوسَى عليه السَّلامُ ، رَوَى لَنـا القرآنُ الكريمُ في قِصةِ سَيدِنـا يُوسفَ عليه السَّلامُ :

بسم الله الرحمن الرحيم { وَقَـالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَـرَاتٍ سِمَـانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَـافٌ وَسَبْـعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَـايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ }   يوسف (43) .                                                                                                                        

المَلِكُ رأَى مَنـاماً فهوَ لا يُمكِنه أنْ يَتَجـاهَلَ المَوضُوعَ ” يَأيُّها المَلأُ أفتُونِي في رُؤيَايَ “ ، فَأتَوهُ بِسيدِنـا يُوسُفَ عليه السَّلامُ معَ أنَّه كـانَ في السِّجنِ ، مَا المَوضوعُ !

المَوضوعُ أنَّها كانَت حَضاراتٌ مُهتمَّـةٌ بِالعَوَالِمِ الأُخـرَى .

الحَضارةُ اليَهوديَّةُ أيضَاً كانَت حَضارةً مُمتَزجةً في زَمنِ سَيدِنا سُليمَانَ عليه السَّلامُ سَيِّدِ الإنسِ والجِنِّ، كَمَا قَالَ حَبيبِي عَزَّ وجَلَّ في كِتابِه النُّورِ الأقدَسِ ، بسم الله الرحمن الرحيم {  قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْـهِ لَقَوِيٌّ أَمِيـنٌ } النمل (39) .

قالَ له عِفرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أنَا آتِيكَ بِه ، يُشَارِكونَ ويَستَشِيرُهم مَاذا نَفعلُ ؟ ، ومَنْ سَيَأتي لِي بِالعَرشِ ؟ ، على مُستوى القِيادةِ والمَملَكةِ هُناكَ اختِلاطٌ بَينَ الحَضَارتِينِ ، كذلكَ كـانَ في الحَضارةِ الإِدرِيسيَّةِ سَابقـاً . 

الأرضُ لَيسَت مَخلوقــةً حتَّى نَعيشَ عليهـا نَحنُ كَبَشرٍ ، الأرضُ مَخلوقـةٌ لِنَحكُمَ نحنُ البشرُ جَميعَ الحَضـاراتِ ، أينَ هوَ الحَـاكمُ اليومَ على سَطحِ الأرضِ الذِي يَستطيعُ أنْ يَحكمَ عَوالِمَ الجِنِّ لِخدمـةِ الإنسِ ، لايُوجدُ لِمَاذا ؟؟؟ لأنَّهم فَقدُوا هذَا النَّوعَ مِنَ العُلومِ ، لَمْ يَنتَبِهوا إلى النَّسَقِ التَّـارِيخيِّ .

البيتُ الأبيضُ اليومَ فَهِمَ هذِه الحَقيقةِ ، وَوَصلَ إليها لِذَا يُقيمُ مَجَالسَ ومُختَبراتٍ ، يُريدُ أنْ يُقيمَ المَملَكةَ الاندِمَاجيَّةَ ، وهوَ مِنْ فَترةٍ لأُخرَى يَقولُ أنَّ هُناكَ عَوالِمَ أُخرَى ، لكِنَّنا نحنُ لانَستطيعُ أنْ نَتحدَّثَ عَنها ، لأنَّ النَّاسَ لاتَستطيعُ أنْ تَتحمَّلها وتُفكِّرَ فِيها ، لِمَاذا وهِي مَوجودةٌ في قُرآنِنا ونَقرأُها كُلَّ يومٍ ، كُلُّ البشرِ يَعرِفونَها – سَحَرةُ مُوسَى وفِرعَونَ بِزمنهم ، وَوَزيرُ سُليمَانَ وحُكمُه لِلطَّبيعةِ ، ومَنطِقُ الطَّيرِ – هذِه الخُروقاتُ الكَونيَّةُ الطَّبيعِيةُ التِي ذَكرَها القرآنُ الكريمُ بِكلِّ أبعَادِها ، لايُوجدُ صَفحةٌ مِنْ صَفَحاتِ القرآنِ إلاَّ وفِيها إشَارةٌ وآيَةٌ ودَلِيلٌ على أنَّ الإنسَانَ يَخترِقُ الطَّبيعةَ ، ويُسخِّرُها لِذَاته ، وأنَّها كُلَّهـا تُسخَّرُ لِهـذَا الـذَّاتِ البَشرِيِّ لِلاسمِ الإلَهـيِّ المُتجلِّي مِنْ خِـلَالِـكَ ، لِمَـاذا نحـنُ نَترُكُ هـذِه الحَقِيقــةِ ؟؟؟  

 


( من كتاب علم الاسم المتجلي الأعلى للمفكر الإسلامي الشيخ الدكتور هانيبال يوسف حرب  ) .


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى